Skip to content

شهادة ساره كار

شهادة مباشرة من مصدر الحدث: مسيرة من شبرا إلى الموت في ماسبيرو
سارة كار
10-10-2011
كانت المسيرة المتجهة من حي شبرا إلى شارع ماسبيرو تضاهي في ضخامتها الأعداد التي خرجت يوم الثامن والعشرين من يناير. تقدم الصفوف الأمامية مجموعة من الرجال في مآزر بيضاء طويلة تحمل عبارة “شهيد تحت الطلب”. بين هؤلاء الرجال، سارت سيدة مسنة ذات جسد ضئيل تلوح بصليب خشبي كبير، وتنادي على المشاركين “الرب يحميكم يا أولادي، الرب يحميكم”.
بدأت المسيرة في حوالي الرابعة عصرا من شارع شبرا، عابرة غابة من المباني العتيقة التي وإن كانت يبدو عليها القدم، إلا أنها تحمل بهاء إذا ما قورنت بنظيراتها المجاورة التي بنيت في عهد مبارك، ذات طلة موحشة وغير مكتملة البناء.
أحد المشاركين يشرح السبب الذي جعل عدد المتظاهرين في تلك المسيرة يفوق تلك التي خرجت الأسبوع الماضي للاحتجاج على الهجوم على كنيسة القديس جرجس في أسوان، فيقول إن جنود الجيش قاموا بضرب أحد القساوسة بقوة أثناء فض اعتصام الأقباط أمام مبنى ماسبيرو يوم الأربعاء. وكان مقطع فيديو نشر على الإنترنت قد أظهر عددا من رجال الجيش والشرطة وهم ينهالون ضربا بوحشية على أحد الشباب.
في أحد الأنفاق المرورية في شارع شبرا، وبعد وقت قصير من انطلاق المسيرة، فوجئ الجميع بصوت ما يشبه إطلاق النيران، مما دفع السائرين في المقدمة إلى أن يطلبوا من بقية المتظاهرين في الخلف أن يتوقفوا، فالمسيرة تتعرض لهجوم. وابل من الحجارة انهال من اليمين واليسار ومن فوق الكوبري الذي احتمى المتظاهرون أسفله.
وفيما رد بعض المشاركين في المسيرة بإلقاء الحجارة، ردد آخرون هتافات مطالبة بإسقاط المشير طنطاوي. ولكن توقف وابل الحجارة في نهاية الأمر، مما مكن المسيرة من المضي. أحد المراهقين أدى الصلاة برسم الصليب بصورة متكررة أثناء المضي قدما عبر الحجارة.
وما أن وصلت المسيرة إلى شارع الجلاء حتى حل الظلام. اعتلى أحد المتظاهرين شاحنة مليئة بمكبرات الصوت مرددا “ البلد دي بلدنا”، فيما ظهر أحد الصلبان المضيئة في الظلام. أحد المشاركين ألقى حجرا واحدا على بوابة جريدة الأهرام، كنوع من الاعتراض فيما يبدو على تغطيتها لأحداث العنف ضد الأقباط.
خارج فندق رمسيس هيلتون، توقفت الهتافات لوهلة، وتضاءلت فرحة النجاة من هجوم شبرا مع انحراف المسيرة باتجاه شارع ماسبيرو. فقد قوبلت التظاهرة على الفور بطلقات نارية في الهواء، ولم تتوقف الطلقات مع مضي المتظاهرين في طريقهم.

فجأة! تراجعت حشود كبيرة من البشر، وحدث شيء غريب. فقد شرعت مدرعتان في السير بسرعة مخيفة، مخترقة صفوف المتظاهرين الذين قفزوا مبتعدين عن طريقها. وعلى سطح كل عربة كان هناك جندي يحمل بندقية يوجهها في جميع الاتجاهات بعشوائية. ورغم ذلك، صعبت أصوات الصراخ المتعالية من تحديد مصدر أصوات النيران.
كان الأمر بمثابة تحول وحشي للاستعراضات العسكرية التي نظمتها القوات المسلحة منذ ثلاثة أيام سبقت. اندفعت العربتان العسكريتان في مسار متعرج عبر شارع ماسبيرو وأسفل كوبري أكتوبر ثم عادت إلى الخلف في نفس الوقت، وسط أصوات الطلقات النارية وصراخ المتظاهرين التي لا تتوقف.
ثم حدث الأمر، قفزت واحدة من هاتين العربتين فوق الجزيرة الوسطى كحيوان هائج، ورأيت أشخاصا يختفون أسفلها. لم أتمكن من رؤية ما حدث لهؤلاء حيث بدأت المركبة تندفع باتجاهي.
لاحقا، ومع إطلاق قوات شرطة مكافحة الشغب لقنابل الغاز باتجاه محاولة عدد قليل من المتظاهرين للتجمع، ومع اندلاع النيران حول مبنى ماسبيرو، وجدت جزءا من المآزر التي كان يرتديها المتظاهرون ممزقا إلى نصفين، فأخذتها إلى منزلي.
العاملون بالمستشفى القبطي بذلوا ما في وسعهم للتعامل مع السيل المفاجئ من المصابين. تخضبت أرضيات المستشفى بالدماء، وبالكاد كانت هناك مساحة للتحرك بين الجرحي والقلقين والغاضبين.
سألني أحد الرجال المتواجدين هناك إذا ما كنت أعمل بالصحافة، وإذا ما كنت سأتحمل دخول المشرحة وتصوير الجثث.
كانت المشرحة عبارة عن مبنى شديد الإضاءة، مكون من حجرتين، أحاطت بهما مجموعات من الرجال والسيدات الذين أصابتهم نوبات بكاء وصراخ هستيرية.
الحجرة الأولى كانت بها جثتين، لرجلين في منتصف العمر مطروحين على الأرض بالقرب من الثلاجة، التي قيل لنا أنها تحمل بداخلها ثلاث جثث.
أما الحجرة الثانية، فضمت جثثا لإثني عشر ذكرا من مختلف الأعمار. جلست الشابة فيفيان بالقرب من إحدى الجثث، وأخذت في العويل ضاربة كفا بكف. كانت تلك جثة خطيبها مايكل الذي انسحق أسفل المركبات العسكرية وبدت ساقه مدمرة تماما.
بالقرب من جثة مايكل كان هناك جثة أخرى لرجل انبعج وجهه بشكل لا يصدق. أحد القساوسة فتح كفيه ليريني بقايا جمجمة ومخ هذا القتيل الذي دهس هو الآخر تحت العجلات.
في الخارج، تعالت صيحات إحدى السيدات موجهة كلامها إلى القتلى “يا بختكم، إنتوا دلوقتي في السما”، فيما صرخ آخر “ مش هنسكت بعد كده”.
حتى مع استمرار وصول الجرحى إلى المستشفى، كان التليفزيون الرسمي يورد التقارير عن قيام المتظاهرين الأقباط باختطاف أسلحة الجيش وقتل الجنود، مع إعادة الحديث عن أياد خارجية تعبث باستقرار البلاد.
لابد من حقيقة حاسمة لا تقبل الجدال حول أسباب الموت إذا ما وقع بمثل تلك الوحشية التي شهدتها تلك الليلة، ولكن حتى وإن وقع القتل على أعتاب مبنى ماسبيرو، فإن الحقائق يعاد كتابتها ويتم تحريفها لتبرير المستحيل وإجهاض أي تفكير في حقيقة أن المشكلة تكمن فينا.

التقرير مترجم من الطبعة الإنجليزية للمصري اليوم

http://www.almasryalyoum.com/en


نشرت يوم 10 أكتوبر الساعة 15:58 ظهراًعلى القسم الإنجليزي لموقع جريدة المصري اليوم بعنوان “A firsthand account: Marching from Shubra to deaths at Maspero”, و ترجمت بواسطة طرف ثالث بمعرفة الشاهدة
شهادة مباشرة من مصدر الحدث (1)

Advertisements
اكتب تعليقُا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: